الشنقيطي

46

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ( الملحق ) ( دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب ومنع جواز المجاز في المنزل المتعبد والإعجاز )

تَسْتَهْزِؤُنَ ( 65 ) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ [ التوبة : 65 - 66 ] . فتاب إلى اللّه بإخلاص ، فتاب اللّه عليه وأنزل اللّه فيه : إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً [ التوبة : 66 ] الآية ، فتحصل أن القائلين بعدم قبول توبة من تكررت منه الردة ، يعنون الأحكام الدنيوية ولا يخالفون في أنه إذا أخلص التوبة إلى اللّه قبلها منه . لأن اختلافهم في تحقيق المناط كما تقدم والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ 102 ] الآية . هذه الآية تدل على التشديد البالغ في تقوى اللّه تعالى ، وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك وهي قوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ التغابن : 16 ] والجواب بأمرين : الأول - أن آية فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ناسخة لقوله : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وذهب إلى هذا القول سعيد بن جبير وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم والسدي وغيرهم ، قاله ابن كثير . الثاني - أنها مبينة للمقصود بها ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها [ 103 ] . هذه الآية الكريمة تدل على الأنصار ما كان بينهم وبين النار إلا أن يموتوا مع أنهم كانوا أهل فترة ، واللّه تعالى يقول : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 ) [ الإسراء : 15 ] . ويقول : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [ النساء : 165 ] الآية ، وقد بين تعالى هذه الحجة بقوله في سورة طه : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى [ طه : 134 ] . والآيات بمثل هذا كثيرة ، والذي يظهر في الجواب واللّه تعالى أعلم : أنه برسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم لم يبق عذر لأحد ، فكل من لم يؤمن به فليس بينه وبين النار إلا أن يموت . كما بينه تعالى بقوله : وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [ هود : 17 ] الآية ، وما أجاب به بعضهم من أن عندهم بقية من إنذار الرسل الماضيين ، تلزمهم بها الحجة